يا غزة لن تموتي فطلابك قادمون

تأملات تربوية في قصة أهل الكهف د: عثمان قدري مكانسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تأملات تربوية في قصة أهل الكهف د: عثمان قدري مكانسي

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أغسطس 19, 2011 7:26 pm

تأملات تربوية في قصة أهل الكهف
د: عثمان قدري مكانسي

المتأمل
في سَوْق القصة يجدها جواباً لما ذُكر في افتتاحية السورة ودليلاً على
صحته وإمكانِ حدوثه . ففي المقدمة أولاً: تنبيه إلى العقاب الشديد للكافرين
" لينذر بأساً شديداً من لدنه " وفيها ثانياً : مدح وبشرى لمن آمن وعمل
صالحاً " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً " .
وفيها ثالثاً :أن الحياة دار ابتلاء :" إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها
لنبلوهم أيهم أحسن عملاً " وفيها رابعاً: أنه سبحانه يعيد الأرض كما كانت
لا نبات فيها ولا عمارة :" وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جُرُزاً " . وجاءت
القصة تحمل في حناياها آداباً تربوية رائعة نجملها فيما يلي :

1-
ليس في قصة أصحاب الكهف عجب ، فقدرة الله تعالى لا حدود لها ، وخلق
السماوات والأرض أكبر من خلق الناس . ولئن عجب الكفار من بعثهم بعد الموت
إن الأنبياء وأولي البصائر يدركون قدرة الله عز وجل ، فيزيدهم ذلك إيماناً "
أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً ؟ "

2-
اللجوء إلى الله تعالى سمة المؤمن ، فهو سبحانه عونه ونصيره " ربنا آتنا من
لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً " فلما لجؤوا إليه داعين ، وأسلموا
قيادهم له سبحانه واعتمدوا عليه آواهم الله وحفظهم إذ دلهم على الكهف ،
وأغدق عليهم مما طلبوا من الرحمة والهدى والرشاد " فأووا إلى الكهف ينشر
لكم ربكم من رحمته ، ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً " ولا حظ معي التوافق بين
الإيواء إلى الله سبحانه ونشر الرحمة . وهكذا العلاقة بين العبد وربه . ومن
لجأ إلى ربه واعتمد عليه ثبته الله وأيده " وربطنا على قلوبهم " .

3-
القصة في القرآن حق لا مراء فيه " نحن نقص عليك نبأهم بالحق " وقد ادعى طه
حسين أن قصة إبراهيم وغيرها في القرآن ليست على سبيل الحقيقة إنما على
سبيل العبرة والعظة فقط . وهو بذلك ينفي حقائق التنزيل " نحن نقص عليك أحسن
القصص " وأحسن القصص ما كان حقيقة . وعلى هذا نفهم قوله تعالى " إن هذا
لهو القصص الحق " فما ورد في القرآن الكريم حق لا مراء فيه .

4-
للشباب الدور الكبير في نشر الدعوة والذود عنها . فإيمان الشباب اندفاعي
قوي " إنهم فتية آمنوا بربهم ، وزدناهم هدى " ويصدعون بالحق " إذ قاموا
فقالوا : ربنا رب السماوات والأرض " ويعلنون دعوة التوحيد بثبات " لن ندعو
من دونه إلهاً " من أشرك فقد تطاول على الحق وابتعد عنه " لقد قلنا إذاً
شططاً " . وهنا نلحظ في كلمة الشطط التشنيع على المتطاولين الذين يغيرون
الحقائق وينشرون الباطل .

5- لا بد لكل فكرة أو مبدأ من دليل أو
برهان وإلا سقط في أول لقاء " لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن " وإذا لم يكن
هناك حجة قوية أو دليل ساطع فهو ضعيف ، ولن تقنع أحداً بفكرتك إن لم تؤيدها
بالنور الساطع الذي يكشف الغشاوة عن العيون وينير سبيل الحق . أما فرض
الفكرة بالقوة والإرهاب المادي فدليل على الإفلاس وضحالة ما تدعو إليه
وُيعَدّ افتئاتاً عل الحق وظلماً له " فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً "
فالميل عن الحق افتراء على الله وتضليل للناس .

6- يعلمنا الله
تعالى بقوله :" فأووا إلى الكهف " اعتزال الناس في الفتن ، وقد يكون مرة في
الجبال والشعاب ، ومرة في السواحل والرباط ، ومرة في البيوت وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم: " يأتي على الناس زمان يكون خير مال الرجل المسلم
الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن " ... ولعل
هذا يكون في آخر الزمان عند مجيء المسيخ الدجال ، أو عندما تشتد الفتن
وتطغى . وقد جاء في الخبر :" إذا كانت الفتنة فأخفِ مكانك وكُفَّ لسانك "
ولم يخص موضعاً . . ومن هذا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن
عامر حين سأله : ما النجاة يا رسول الله ؟ " يا عقبة أمسك عليك لسانك ،
ولْيسعْك بيتُك ، وابك على خطيئتك "
وقد جعلت طائفة العلماء العزلةَ
اعتزالَ الشر وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين أظهر الناس . قال ابن المبارك
رحمه الله في تفسير العزلة : أنْ تكون مع القوم ، فإن خاضوا في ذكر الله
فخض معهم ، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت . وروي عن النبي عليه الصلاة
والسلام – من مراسيل الحسن- " نعْمَ صوامع المؤمنين بيوتهم " اي وهم في
مجتمعهم يدعونهم ويتعرضون إليهم بالنصح والموعظة ، فإن اشتدوا عليهم أوَوْا
إلى بيوتهم ، ثم عاودوا الكرّة . ويؤكد هذه الفكرة قول النبي صلى الله
عليه وسلم :" المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي
لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم .

7- لا بد من الجهر بالدعوة بين
الناس لتصل إليهم ، وتكون حجة عليهم . ولنا في رسول الله صلى الله عليه
وسلم الأسوة الواضحة البيّنة ، ولنا بهؤلاء الفتية الأطهار القدوة الحسنة ،
فحين سألوا الله القوة أمدّهم بها " وربطنا على قلوبهم " فثبتهم على الحق
فقاموا يدعون إليه سبحانه فأعلنوا عقيدة التوحيد خالصة دون لبس ولا خوف "
.. إذ قاموا فقالوا : ربنا رب السماوات والأرض ، لن ندعوَ من دونه إلهاً ..
" . فكانوا قدوة للدعاة يأتسونهم .. قالوها ،فخلّدهم الله في كتابه الكريم
إلى يوم القيامة .

8- كما أن مقامهم في الكهف أكثر من ثلاثة قرون ،
تميل الشمس عنهم حين طلوعها – ولاحِظْ كلمة تزاور الدالة على قدرة الله في
حركة مخلوقاته – وانظر كلمة تقرضهم عند غروبها فلا تصيبهم البتة في حركتها
بزوغاً وغروباً وقد قيل : تقرضهم : تنثر عليهم شعاعاً خفيفاً لإصلاح
أجسادهم ، وهم في فجوة من الكهف لا يتأذون بقرّ ولا حرّ عيونهم مفتحة ، " و
تحسبهم أيقاظاً وهم رقود " يحركهم الله تعالى كي لا تأكل الأرض أجسادهم "
ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال " يحرسهم كلبهم في مدخل الباب ماداً
قائمتيه كأنه حي متوثب " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " ... تصوير بديع لهم
في رقدتهم الطويلة هذه التي تدل توهم من يراهم أنهم أحياء .. مع إدخال
الهيبة في قلوب من اطلع عليهم – إن اطلع – أن يتجاوزهم مبتعداً عنهم .
مقامهم هذا دليل على قدرة الله تعالى في إماتتهم وحفظهم من التلف ، وإخافة
من ينظر إليهم ، ثم على بعثهم .. فسبحان الله مالك الملك ، المتصرف في
مخلوقاته كما يشاء .

9- الحذر في كل حالات الحياة – حلوها ومرها ،
أمنها وخوفها – مطلوب ، فالتخفي والكتمان والتلميح من أنواع الحذر . فماذا
فعل الفتيان حين أحياهم الله تعالى ؟ شعروا بالجوع .. فقد استيقظوا بعد
ساعات طويلة استغرقت يوماً أو بعض يوم – كما ظنوا – والطعام والشراب وسيلة
الحياة . والعدو الذي هربوا منه يطلبهم ويرسل العيون والجند بحثاً عنهم .
فينبغي الحذر في التحرك . ماذا يفعلون ؟
- أرسلوا واحداً فقط يشتري لهم
طعاماً فالواحد أقدر على التخفي ولا ينتبه له أحد . وهروبه أسهل إذا شعرت
به عيون العدو وإذا وقع في أيدي الظلمة فهو فدائي واحد ، ولن تسقط المجموعة
كلها .
- وأمروه باللطف في الشراء واللين في الطلب ، وليتكلم المختصر المفيد.
- وليكن تصرفه حكيماً وحركاته بعيدة عن الريبة لكي لا ينطبق عليه المثل القائل " كاد المريب أن يقول خذوني " .
- وليختر أطيب الطعام وأزكاه ، فالطعام الطيب الحلال أنفع للجسم ، وأرفع للروح.
صحيح
أن الحذر لا ينجي من القدر لكن على الإنسان أن يأخذ بالأسباب ، ويعد للأمر
عدته كي لا يُؤْخذ على غرة ، فالعدو الذي لا يخاف الله تعالى لا يرحم "
إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أويعيدوكم في ملتهم " ألم يعلن كبير المجرمين
فرعون رغبته في قتل النبي موسى عليه السلام ؟" ذروني أقتلْ موسى .. "
مدعياً أنه بذلك يقضي على الفتنة ويحفظ الناس من الفساد؟! " إني أخاف أن
يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد "؟َ ! . وقد دمغهم الله تعالى
بالعدوان وكره المؤمنين ونقض العهود " لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ،
وأولئك هم المعتدون " وإذا قتل المسلم في سبيل الله فقد نال الشهادة ، أما
إذا كان إيمانه ضعيفاً فلم يحتمل العذاب وكفر بدينه لينجو منه فقد خاب وخسر
".. أو يعيدوكم في ملتهم ، ولن تفلحوا إذاً أبداً " .

10- لا ينبغي
أن نمر على قصص القرآن مروراً سريعاً إنما يجب التفكر والتدبّر للعظة
والعبرة واستخلاص الدروس، فتكون نبراساً نسير على هديه ونستضيء بنوره ،
وإلاّ كنا كمثل الحمار يحمل أسفاراً . قال المفسرون : إن الملك الذي هرب
الفتيان من ظلمه وبطشه مات ، ومات الكفر معه . وانتشر الإسلام في البلاد ،
واختلف المؤمنون في طريقة البعث والنشور . فمن قائل تحشر الأرواح فقط ، ومن
قائل يحشر الناس بأرواحهم وأجسادهم . فكان عثورهم على الفتية دليلاً على
حشر الناس بأجسادهم وأرواحهم كما كانوا في الدنيا ، فالله قادر على كل شيء .
هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى كان بعث هؤلاء الفتية دليلاً باهراً على أن
يوم القيامة حقيقة لا شك فيها " وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله
حق ، وأن الساعة لا ريب فيها " .

11- المراء في أمر لا فائدة فيه لا
حاجة إليه . وقتك أيها المسلم ثمين ، وحديثك موزون ، ولن يزيدك علماُ
وفهماً أن تخوض فيما لاطائل له ، .. فماذا يزيدك لو عرفت عدد الفتية ؟ أو
أسماءهم ، أو أعمارهم ؟ أو أعمالهم؟ .. الفائدة المرجوة تجدها في أفعالهم
وثباتهم على المبدأ وفرارهم بدينهم يحافظون عليه . وحذرهم في تصرفاتهم ،
وأخوّتهم في الله تعالى ...

12- أمر أخير ينبغي الوقوف عنده ، هو
تعليق الأمر بمشيئة الله " ولا تقولن لشيء : إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء
الله " فقد عاتب الله تعالى نبيه الكريم على قوله للكفار حين سألوه عن
الفتية والروح وذي القرنين : غداً أخبركم بجواب أسئلتكم . ولم يستثنِ في
ذلك ، فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً حتى شق ذلك عليه ، وأرجف الكفار به .
فنزلت عليه هذه السورة مفرِّجة ، وأمر في هذه الآية أن لا يقول في أمر من
الأمور : إني أفعل غداً كذا وكذا إلا أن يعلق الأمر بمشيئة الله تعالى .
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 647
نقاط : 1469
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 09/12/2010
العمر : 30

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tolabo-ghaza.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى